اللغة الرسمية الأخرى: كيف يجد المهاجرون موطنا في فنلندا من خلال اللغة السويدية
.تختلف تجارب الاندماج باللغة السويدية باختلاف المكان والدعم الذي يتلقاه الأفراد من المجتمع المحلي
علي بالحاج
سركان ألكان
تم النشر ۳۰.۱۲.۲۰۲۵ at ۵:۰٦
فقط قلّة من المهاجرين يصلون إلى فنلندا متوقعين أن تُشكّل اللغة السويدية -التي يتحدث بها ما يزيد قليلاً عن 5% من السكان- مستقبلهم، ومع ذلك، ينتهي الأمر بالبعض إلى إختيارها لاعتبارات شخصية أو عملية. على الرغم من أن المادة 17 من الدستور الفنلندي تضمن الحق في استخدام اللغة السويدية مع السلطات العامة، يقول بعض المهاجرين إن تجاربهم مع استعمال اللغة لم تكن سلسة على الإطلاق.
باحثة وطاهٍ وفنّان يروون قصصهم لستاكيلي.
ميمونة ماتيكاينن-سورو: إلى المجتمع عبر الكورال
ألمّت ميمونة ماتيكاينن-سورو باللغتين الرسميّتين في فنلندا منذ أن كانت في موطنها فرنسا.
شمل الحصول على شهادتها في الدراسات الاسكندنافية بجامعة السوربون دورات لغوية باللغتين السويدية والفنلندية. لكن الكورال الغنائي ضمن الجالية الناطقة بالسويدية في باريس هي التي عرّفتها على مجتمع حقيقي.
وصلت إلى فنلندا عام 2011 في إطار برنامج التبادل الطلابي إيراسموس، ومنذ ذلك الحين وهي تقيم هناك.
وقد اختارت هلسنكي بدل ستوكهولم لأن فنلندا بدت أقل استكشافا من السويد بين أقرانها، ولأنها سمعت أن التأقلم مع الحياة الاجتماعية “المنغلقة” في ستوكهولم قد يكون صعباً.
حفّزتها تفاعلاتها داخل مجتمع فرقة الكورال على السعي للعثور على جوقة غنائية كنسية باللغة السويدية فور وصولها إلى فنلندا. صارت هذه الجوقة بمثابة “بوابتها” إلى الفنلنديين الناطقين باللغة السويدية في هلسنكي، على الرغم من أنها كانت قد خاضت دورة دراسية مماثلة باللغة الفنلندية.
“كان من السهل عليّ الاندماج مع المتحدثين باللغة السويدية في هلسنكي لأننا كنا نتشارك الكثير من رأس المال الثقافي”، كما توضح ماتيكاينن-سورو.
إنها تشير إلى أوجه التشابه في السلوكيات والآداب الاجتماعية والتوجه الأكاديمي التي تتوافق مع خلفيتها كباحثة جامعية وكشخص نشأ في ضواحي باريس.
هي تشعر أن بالمقارنة مع المتحدثين باللغة الفنلندية، فإن المتحدثين باللغة السويدية في فنلندا أكثر اعتياداً على التفاعل مع أشخاص لغتهم الأم ليست السويدية، لكنهم يحاولون التحدث بها. ولأن السويدية لغة أقلّيّة في البلاد، فإنهم يميلون إلى تقدير هذه الجهود.
وتقول: “سيكونون صبورين وممتنين لسماع شخص يحاول التحدث. سيساعدونك، ويمنحونك الوقت، ويزوّدونك بالكلمات عندما تواجه صعوبة، وما إلى ذلك.”
تعمل ماتيكاينن-سورو حاليًا كباحثة ما بعد الدكتوراه في المدرسة السويدية للعلوم الاجتماعية بجامعة هلسنكي. وعلى الرغم من متانة إتقانها للغة الفنلندية المحكيّة، فهي تصف نفسها بأنها “تعيش” باللغة السويدية.
“أشاهد المسرح السويدي دائماً. أبدأ يومي بالاستماع إلى الراديو باللغة السويدية، وأشاهد وأقرأ الأخبار باللغة السويدية”، كما تؤكد.
لكن ماتيكاينن-سورو تُقرّ بالتحديات الناجمة عن مقاومة تقديم الخدمات باللغة السويدية في مختلف الإدارات العامة والخاصة الفنلندية.
وتتصدى لذلك دائما بطلب الخدمات باللغة السويدية أولاً، وبالتفاوض قدر الإمكان لضمان ذلك. ولا تلجأ إلى استعمال لغات أخرى إلا كملاذ أخير.
محمد جبالي: واقع بوهيانما ليس واقع إسبو
بدأت تجربة محمد الجبالي، وهو في الأصل من تونس، في فنلندا في منطقة بوهيانما، حيث اللغة السويدية هي اللغة السائدة. انتقل إلى فنلندا عام 2010 مع شريكته الفنلندية الناطقة بالسويدية آنذاك، بعد أن عمل طاهيا في جنوب فرنسا.
لقد أعطى الأولوية للسويدية كلغة اندماج، إذ كان يعيش في كرونوبي وبيدرسوري، وهما منطقتان يتحدث سكانهما السويدية بشكل رئيسي، ولأن عمله في مطعم كان يتطلب تفاعلاً مستمرا مع الزبائن والزملاء.
عندما اضطر جبالي للانتقال إلى كوكولا في عام 2021، وهي مدينة يتحدث سكانها اللغة الفنلندية بنسبة 83 بالمائة، بدأ يشعر بمحدودية قدرته على العمل اجتماعياً ومهنياً باللغة السويدية.
لقد قوبِلت طلبات التوظيف التي قدمها بالرفض المتكرر، فقط لأنه لم يكن قادراً على التحدث باللغة الفنلندية، قبل أن يحصل على وظيفة في المدينة كطاهٍ في منظمة تعزّز الرعاية الصحية للناطقين باللغة السويدية في فنلندا.

واجه جبالي صعوبات في المعاملات مع الزبائن باللغة الفنلندية، وكلما كانت هناك مستجدات في الأنظمة الداخلية، مثل كتيبات السلامة من الحرائق والتدريبات على الإسعافات الأولية، والتي كانت تُقدم حصريًا باللغة الفنلندية بدلاً من تقديمها باللغتين.
وقد ازداد هذا التحدي حدّة عندما انتقل إلى إسبو في وقت لاحق من نفس عام. وعلى الرغم من أن المدينة ثنائية اللغة رسمياً، إلا أن جبالي قابل بعض المسؤولين الذين قاوموا بشدة تقديم الخدمات باللغة السويدية.
ويقول: “على سبيل المثال، في مجال الرعاية الصحية، أغلق الموظفون الخط في وجهي مرتين بعد أن اخترت التواصل باللغة السويدية عبر خدمة الرد الآلي”.
في الوقت الحاضر، يعتمد جبالي على شريكته الحالية، التي درست اللغة الفنلندية للإندماج، لإدارة المكالمات الهاتفية والعمليات الإدارية الضرورية. وذلك لتجنب ردود الفعل غير المناسبة أو إضاعة الوقت بإحالته إلى مكاتب بعيدة توفر موظفين يجيدون اللغة السويدية.
نيكولا لومباردو: “عمليّ، وليس “كسولاً”
في البداية، جرب نيكولا لومباردو اللغة الفنلندية. انتقل من إيطاليا إلى فنلندا مع شريكه الفنلندي في سبتمبر 2024، وبدأ بدراسة اللغة الفنلندية بعد 6 أشهر.
لم تكن التجربة سلسة كما كان يأمل، وذلك بسبب معاناته مع أسلوب حمام اللغة، وهو أسلوب لغمر الطلاب في اللغة الفنلندية دون الاعتماد على لغة وسيطة.
ويشير إلى أن هذه الطريقة فعالة فقط إذا ما كان المتعلم يتقن مسبقا لغة من نفس العائلة أو عائلة لغوية قريبة من اللغة الفنلندية، وهو ما لا ينطبق عليه.
وقد نما لدى لومباردو اهتمام باللغة السويدية أثناء وجوده في إيطاليا من خلال الموسيقى، وهو شغف يمارسه الآن كمغني وكاتب أغاني إلى جانب عمله الرئيسي.
وبالتالي، فإن تعلم اللغة السويدية في أربيس، وهي رحلة بدأها لاحقًا في أغسطس، كانت بالنسبة إليه تجربة أكثر “إراحة” و”تحفيزًا” و”شمولية”، وذلك بفضل نهج تضمن أيضًا أنشطة ديناميكية مثل الطبخ والرسم.
يبرر لومباردو اختياره للغة السويدية بالإشارة إلى “قيمتها العملية” للاندماج ويرفض فكرة أن الناس يختارونها بدافع الكسل.
“بناءً على ظروف معينة، كان عليّ اتخاذ قرارات.”
واجه لومباردو تعليقات مثبّطة بشأن هذا التغيير، حيث قيل له إنه سيكون من الصعب العثور على عمل باستخدام اللغة السويدية.
ومع ذلك، فهو يعتقد أن اللغة يمكن أن تفتح المزيد من الأبواب داخل الأوساط الناطقة باللغة السويدية، وأن الفرص ستأتي في النهاية حينما تكون نشطا، وتكوّن علاقات، وتكون مستعدًا.
المادة 17 من دستور فنلندا: حق الفرد في لغته وثقافته
-
اللغتان الوطنيّتان في فنلندا هما الفنلندية والسويدية.
-
يكفل القانون حق كل فرد في استخدام لغته الأم، سواءً كانت الفنلندية أو السويدية، أمام المحاكم وغيرها من السلطات، وفي استلام الوثائق الرسمية بتلك اللغة.
-
تلتزم السلطات العامة بتلبية الاحتياجات الثقافية والاجتماعية للسكان الناطقين بالفنلندية والسويدية في البلاد على قدم المساواة.
-
يتمتع شعب السامي، باعتبارهم سكانا أصليّين، وكذلك شعب الرّوما والجماعات الأخرى، بالحق في المحافظة على لغتهم وثقافتهم وتطويرهما.
-
يضمن القانون توفير حقوق الأشخاص الذين يستخدمون لغة الإشارة وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يحتاجون إلى المساعدة على التفسير أو الترجمة.