“قالوا لي: قدِّم على وظائف التنظيف”: مهاجرون من أصحاب الكفاءات يُوَجَّهون إلى أعمال لا تناسب مؤهلاتهم

تشير الأبحاث إلى أن المهاجرين يُنظَر إليهم في فنلندا على أنهم “عمّال مثاليون” في مهن الرعاية والخدمة، مما يعزّز توجيههم نحو هذه القطاعات.
  رغم امتلاكهم شهادات وخبرات مهنية قوية، يجد كثير من الوافدين الجدد إلى فنلندا أنفسهم موجَّهين نحو وظائف في التنظيف والرعاية والخدمات. وبرغم أن نظام الاندماج وُضع ليتيح لهم فرصاً جديدة، فإنه كثيراً ما يبعدهم عن المسارات المهنية التي تعكس مؤهلاتهم.

سمر أشرف أبونار

سركان ألكان

تم النشر ۱٤.۱۱.۲۰۲۵ at ٤:۲۹

اخر تحديث ۱٤.۱۱.۲۰۲۵ at ٤:۳۲

عندما وصل عمر جاويد إلى فنلندا قادماً من باكستان، كان يتوقع أن تساعده سنوات خبرته في مجال الخدمات اللوجستية وإدارة سلاسل التوريد على مواصلة مسيرته المهنية. جاء برفقة زوجته التي كانت تُكمل درجة الماجستير في إدارة الأعمال الدولية. وبينما واصلت هي دراستها، واجه هو صعوبة في العثور على عملٍ يتناسب مع مؤهلاته، واضطر في النهاية إلى التقديم على وظائف أدنى بكثير من مستواه المهني.

يقول جاويد:

“في مكتب العمل قالوا لي إن عليّ التقديم على وظائف التنظيف. حتى عندما وضحت لهم خلفيتي المهنية، قالوا إن التدريب الوحيد المتاح للأجانب هو في مجال التنظيف. وعندما طلبت المساعدة في العثور على وظيفة في مجال الخدمات اللوجستية، قالوا إن عليّ البحث بنفسي.”

يحمل جاويد درجة الماجستير في الخدمات اللوجستية والبكالوريوس في الهندسة الكهربائية، ولديه تسع سنوات من الخبرة في مجال المشتريات وسلاسل الإمداد، ومع ذلك لم يتلقَّ أي رد على طلباته الوظيفية، ولم يتمكن مكتب العمل من تقديم بدائلٍ مناسبة لتأهيله.

بعد عامٍ واحد فقط، قرر العودة إلى باكستان، حيث وجد بسرعة منصبًا إداريًا.

يقول جاويد بصراحة: ”لا توجد فرص في فنلندا للأشخاص غير الفنلنديين“.

دورات الاندماج بين التعلم والخيارات المحدودة

صُممت دورات الاندماج في فنلندا لمساعدة الوافدين الجدد على تعلم اللغة الفنلندية وفهم المجتمع والعثور على عمل. وعادة ما تجمع هذه الدورات بين تعلم اللغة والتدريب المهني، غالبًا بالتعاون بين خدمات التوظيف المحلية ومقدمي الخدمات التعليمية.

أجرى موقع ساتاكِيلي مقابلاتٍ مع خمسة مهاجرين يعيشون في مناطق مختلفة من فنلندا، وصفوا نمطاً متشابهاً: التوجيه نحو عددٍ محدودٍ من الوظائف في مجالات التنظيف أو خدمات تقديم الدعم والرعاية، بغض النظر عن مؤهلاتهم.

وتؤكد البيانات شيوع هذه التجارب. فقد حلّلت الدكتورة إيلي هيكيلا، مديرة البحوث الفخرية في معهد الهجرة الفنلندي، بياناتٍ وطنية تُظهر أن نحو واحد من كل ثلاثة مهاجرين عاملين (30 في المئة) يشغلون وظائف أدنى من مستواهم التعليمي ومهاراتهم. وفي المناطق البعيدة عن العاصمة، مثل منطقتي كاينوو ونورث سافو، بلغت النسبة 29 و27 في المئة على التوالي.

وتقول هيكيلا: “فرط التأهيل يشكّل تحدياً أساسياً أمام سوق عملٍ فعّال.”

فالكثير من العاملين المتعلمين لا يستطيعون استخدام مهاراتهم بالكامل، مما يضعف فرصهم المهنية ويحدّ من كفاءة سوق العمل بشكل عام.

وتشير هيكيلا إلى أن هذه الظاهرة، المعروفة باسم “هدر العقول”، تعكس عوائق هيكلية تمنع المهاجرين المتعلمين من استخدام خبراتهم.

“وفقاً لدراستي، عمل بعض اللاجئين ذوي التعليم العالي في وظائف مكتبية أو خدمية أو يدوية أدنى بكثير من مؤهلاتهم.”

من فصول اللغة إلى الأعمال البدنية الشاقة

أمضت أنيسة الصبري، القادمة من اليمن، عشر سنوات تعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات قبل انتقالها إلى فنلندا. وتقول إن برامج الاندماج تختلف من مدينةٍ إلى أخرى.

“في المدينة الصغيرة التي سكنت فيها أولاً، بدأت الدورات بسرعة وكانت جيدة،” تقول أنيسة. “لكن عندما انتقلت إلى تامبيري، كان الأمر مختلفاً تماماً. انتظرت ستة أشهر قبل أن تبدأ الدروس.”

كما لاحظت أن جودة التعليم كانت متفاوتة:

“غالبًا ما كان التدريس يتم على يد متطوعين وليس معلمين محترفين. كانوا يركزون على القواعد والنحو بدلاً من ممارسة اللغة أو التحدث بها.”

ازداد الوضع صعوبة خلال مرحلة التدريب العملي من الدورات.

“أُرسل معظمنا إلى وظائف في التنظيف أو الطبخ أو رعاية المسنين،” تضيف. “كنا نعمل بجهدٍ بدني كبير، لكن لم يتحدث أحدٌ إلينا بالفنلندية. وعندما قال بعضنا إنه جاء ليتعلم وليس فقط ليعمل، حصل على تقييمٍ سيئ.”

قدّمت الصبري شهادتها في هندسة البرمجيات إلى مكتب العمل، لكنها تلقت رداً بأن لغتها الفنلندية يجب أن تكون بمستوى اللغة الأم لتتمكن من العمل في تخصصها.

“حينها شعرت أنه ليس لدينا خيارات حقيقية.”

سوق العمل يؤثر في دورات الاندماج

حتى عام 2025، كانت خدمات التوظيف والاندماج في فنلندا تُدار على المستوى الوطني من خلال مكاتب الـTE، لكن هذه المهام أصبحت الآن تحت مسؤولية البلديات ضمن 45 منطقة توظيف جديدة.

توضح تينا ماينبا، مديرة منطقة التوظيف في شمال وسط فنلندا، أن تصميم الدورات المهنية ودورات الاندماج يتم بالتعاون بين خدمات التوظيف والمدارس المهنية وجهات التدريب.

وتقرّ بأن مجالات مثل الرعاية الصحية والاجتماعية تحظى بتركيزٍ كبير، لكنها تؤكد أن ذلك يعكس نقص الأيدي العاملة أكثر مما يعكس تحيزاً.

“هدفنا ليس الضغط على أحد،” تقول ماينبا. “نحن نسعى لتقديم خيارات واقعية وداعمة يمكن أن تؤدي إلى توظيفٍ مستقر، مع احترام خلفية كل شخص وتفضيلاته.”

وتضيف ماينبا أن تعلم اللغة الفنلندية يُدمج بشكل متزايد في التدريب المهني، لا سيما في مجال الرعاية والخدمات اللوجستية، لدعم التواصل والاستعداد الوظيفي.

نمط أوسع في جميع أنحاء أوروبا

تُظهر الأبحاث في فنلندا أن هذه التجارب تعكس قضايا هيكلية أوسع، وليست حالات فردية.

وفقاً للدكتورة نيلاي كلينتش، الباحثة في جامعة هلسنكي والمتخصصة في دراسة اندماج المهاجرين ذوي المهارات العالية في سوق العمل، فإن الأنماط القائمة على النوع الاجتماعي والانتماء العرقي تؤثر في كيفية توجيه المهاجرين نحو مهن معينة في فنلندا.

“يشكّل المهاجرون نسبة مرتفعة في مجالات الرعاية الصحية والاجتماعية، والخدمات الإدارية وخدمات تقديم الدعم والرعاية، وخدمات الإقامة والطعام،” تقول كلينتش. “وغالباً ما تتعرض النساء للتمييز المهني الذي يوجّههن نحو العمل العاطفي.”

يشير مصطلح “العمل العاطفي” إلى الأعمال التي تتطلب جهداً عاطفياً، مثل الرعاية، والتخفيف عن الآخرين، أو الحفاظ على سلوك إيجابي كجزء من طبيعة الوظيفة.

وتضيف: “هذا ليس أمراً يقتصر على فنلندا، بل ظاهرة تمتد في أنحاء الاتحاد الأوروبي، حيث تواجه النساء المهاجرات تمييزاً مزدوجاً مرتبطاً بالنوع الاجتماعي وبوضعهن كمهاجرات.”

وتُظهر أبحاث كلينتش أن المهاجرين الحاصلين على تعليمٍ عالٍ غالباً ما يجدون أنفسهم في وظائف أدنى من مؤهلاتهم.

تقول كلينتش: “حتى الأفراد ذوو الكفاءات العالية يواجهون تحدياتٍ في الحصول على وظائفٍ تتناسب مع تعليمهم وخبرتهم وأهدافهم المهنية، فيمرّون بفترات بطالة أو يضطرون إلى قبول وظائف أدنى من مؤهلاتهم، مما يؤدي إلى فقدان مهاراتهم.”

وتضيف: “غالباً ما تُستخدم اللغة كحاجز، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في ممارسات التوظيف غير العادلة ومحدودية الاعتراف بالمؤهلات الأجنبية.”

وتؤكد كلينتش أن اندماج المهاجرين في سوق العمل لا ينبغي أن يقتصر على إيجاد وظيفة فحسب، بل أن يمتد ليشمل التطور المهني والحصول على معاملة عادلة داخل بيئة العمل.

وتشير كلينتش إلى أن تعاون البلديات والجامعات وأصحاب العمل قد يؤدي إلى تطوير برامج تدعم المهاجرين في مسارهم المهني، من الإرشاد والتشبيك إلى تحسين سياسات التوظيف وضمان الشفافية وتكافؤ الفرص.

يعكس تحليل كلينتش الإحباط الذي عبّرت عنه أنيسة الصبري وغيرها من الباحثين عن عمل الذين حاورتهم ستاكيلي من أجل هذا التقرير.

تقول الصبري: “نحن لسنا غير متعلمين.

نحن فقط بحاجة إلى فرصة لنثبت ما نستطيع فعله.”