لماذا تتردد فنلندا في الاعتراف بفلسطين؟
نُظمت مسيرات داعمة لفلسطين في العديد من المدن الفنلندية منذ أكتوبر 2023. الصورة التوضيحية: ADOBE STOCK.
علي بالحاج
تم النشر ۰۸.۰٤.۲۰۲٦ at ۱۱:۱۷
اخر تحديث ۰۸.۰٤.۲۰۲٦ at ۱۱:۲۰
Read the version of the article in English>>>
على الرغم من أن إتجاه عدة دول أوروبية في سبتمبر 2025 إلى الاعتراف بدولة فلسطينية ضمن إطار حل الدولتين للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، اختارت الحكومة الفنلندية عدم المضي في هذا الخيار.
وبررت حكومة رئيس الوزراء قرارها بعدم السير على خطى النرويج وفرنسا –وقبلهما السويد وايسلندا– في الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، بضرورة توافر الشروط المناسبة أولاً قبل الإقدام على مثل هذه الخطوة.
ويمكن تفسير توجه هلسنكي لعدم الاعتراف حتى الآن بدولة فلسطينية، بالنظر إلى مجموعة من العوامل والمؤثرات المختلفة.
عوامل أيديولوجية وأمنيّة
يقول أولي رووهوماكي، زميل زائر أول بالمعهد الفنلندي للشؤون الدولية: «عارض كل من حزب الفنلنديين والحزب الديمقراطي المسيحي هذا المقترح. وكان حزب رئيس الوزراء (الائتلاف الوطني) بحاجة إلى الحفاظ على تماسك الحكومة الائتلافية. لذا، يبدو أنهم لم يرغبوا في المخاطرة بوحدة الحكومة من أجل هذه القضية».
يشير رووهوماكي كذلك إلى اختلاف السياق الإقليمي والحسابات الأمنية التي يتعين على صناع القرار في فنلندا أخذها في الحسبان. فعلى عكس دول سارعت إلى الاعتراف مثل أيرلندا وإسبانيا، تواجه فنلندا تحديات أمنية استثنائية بحكم امتلاكها أطول حدود مشتركة بين دولة عضو في حلف الناتو وروسيا. وهذا ما يجعل الحرص على عدم الإضرار بالتعاون الدفاعي مع إسرائيل عاملاً أولويا في صياغة قرارات سياستها الخارجية.
يشير هنا، على سبيل المثال، إلى عقد شراء نظام “مقلاع داود” للدفاع الجوي من إسرائيل عام 2023 مقابل 317 مليون يورو. وقد صرّح وزير الدفاع آنتي هاكانين في 2025 بأن إلغاء الصفقة سيعيد استعدادات الدفاع الجوي إلى نقطة الصفر، وسيؤدي إلى تأخير الحصول على قدرات دفاع جوي مماثلة وضرورية لعدة سنوات.
في المقابل، يرى برونو يانتي، باحث الدكتوراه في الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون في سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية بجامعة هلسنكي، أنه رغم وجود متشددين أيديولوجيين داخل الحكومة الفنلندية، فإن نفوذهم يظل «هامشيًا».
ويقول يانتي في مقابلة أجريناها معه عبر البريد الإلكتروني: «سيتبعون القواعد إذا أصدر حزب الائتلاف الوطني تعليماته بذلك. القرار يعود للحزب، وليس لمجموعة صغيرة من الصهاينة المسيحيين».
ويشير يانتي: «رغم توفر خيارات أخرى، وقّعت فنلندا عقودًا ضخمة مع مصنّعي الأسلحة الأمريكيين والإسرائيليين. ونتيجةً لهذه الخيارات، جعلت فنلندا نفسها عاجزة وغير راغبة في الإدلاء بأي مساهمة مفيدة».
ويضيف: «إن عدم الاعتراف بفلسطين، حتى كبادرة رمزية، وعدم السعي إلى فرض عقوبات على إسرائيل، هما توجهان يهدفان إلى تعزيز مكانة فنلندا في نظر الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية».
سياسة قائمة على الإجماع وعدم الابتكار
يفسر رووهوماكي القرار أيضًا بالتردد الفنلندي في أن تكون في “طليعة” متخذي القرارات الكبرى، وبالسعي إلى التوصل إلى أكبر قدر ممكن من التوافق داخل الاتحاد الأوروبي قبل اتخاذ مثل هذه الخطوات. كما يشير إلى ميل صانعي السياسة الخارجية في فنلندا تاريخيًا إلى اتباع نهج القوى الأوروبية الكبرى، ولا سيما ألمانيا، التي لم تعترف بفلسطين حتى الآن.
في سياق منطقة الشمال النوردية والبلطيق، يشير إلى أن أيسلندا والسويد والنرويج أبدت في السنوات الأخيرة ميلاً أكبر إلى دعم الملف الفلسطيني، في حين أن دول البلطيق الثلاث تُعد من أكثر الدول دعماً لإسرائيل، لأسباب تاريخية مرتبطة بما تعرّضت له الجاليات اليهودية هناك خلال الحرب العالمية الثانية.
ويضيف: «فنلندا والدنمارك كانتا، ولا تزالان، تتبعان مساراً وسطياً بين هذين التوجهين الإقليميين».
بالنسبة إلى رووهوماكي، هناك أيضًا اعتبار لدى صناع القرار بأن الانحياز إلى طرف معين عبر الاعتراف قد يؤثر على الدور المستقبلي المحتمل لهلسنكي كوسيط بين طرفي النزاع، كما فعلت أوسلو في التسعينيات. ومع ذلك، يقرّ بأن هذا الاحتمال ضعيف، نظراً إلى أن واشنطن لا تزال الوسيط الرئيسي في هذا الصراع.
فيما يرى يانتي أن فنلندا انتهجت، ولا تزال، سياسة خارجية غير مبتكرة تجاه الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948.
ويشير إلى أن «هذه السياسة تعني ضمنيًا، وللأسف، تأييدًا لسياسة إسرائيل الرامية إلى التهجير التدريجي للمجتمع الفلسطيني، وصولًا إلى التغاضي عن الإبادة الجماعية المستمرة والتدمير المادي المتواصل للفلسطينيين ومجتمعهم».
ويقول يانتي: «بينما يعتزّ كثيرون بروايةٍ مُختلقة عن دور فنلندا في تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان في سياستها الخارجية، فإنّ سياستها في الواقع تتسم أكثر بنهج “فريق فنلندا”. نحن نفخر بتوجيه أصابع الاتهام إلى الأعداء الرسميين أو إلى الدول التي لا تربطنا بها شراكات، وننتقد سجلاتها في مجال حقوق الإنسان أو أنظمتها الاستبدادية بينما نحافظ في الوقت نفسه على علاقات وثيقة مع إسرائيل وغيرها».
ويضيف يانتي: «نتحدث كثيرًا عن الدفاع عن المبادئ، أو عن النظام الدولي القائم على القواعد، الذي لم يكن موجودًا أصلًا، عندما لا يترتب على الدفاع عنه أيّ تكلفة. لكن عندما نرى أن من مصلحتنا التحالف مع دول ارتكبت أو تواطأت في أخطر الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي الدولي، فإننا نفعل ذلك دون تردد».
المستقبل وما يريده الفنلنديون
فيما يتعلق بما إذا كان هذا الموقف قد يستمرّ طويلاً في المستقبل، يشير رووهومكي إلى أنه عندما كانت حكومة الاشتراكيين الديمقراطيين في الحكم لم تدفع بالملف إلى الأمام. وفي الوقت نفسه يعترف بأن تطور الأحداث ومواقف تحالف أحزاب الخضر واليسار بعد 7 أكتوبر 2023 في غزة، قد يشير إلى إمكانية أن يتخذوا موقفاً مختلفاً بشأن الاعتراف إذا وصلوا إلى الحكم مستقبلاً.
ولكنه ينوّه إلى الفروقات التي قد تنجم بين المواقف التي قد تبديها الأحزاب أثناء وجودها في المعارضة مقارنة بتصرّفها عند الوصول إلى السلطة، وهي ظاهرة يسميها «عبء الحكم». فبينما قد تؤيد بعض الأطراف الاعتراف بدولة فلسطينية، فإن مسؤولية الحكم قد تفرض عليها أخذ مصالح وطنية مختلفة بعين الاعتبار، مما قد يؤدي إلى تبنّي نهج أكثر حذرًا.
أما يانتي، فيعتقد أن تغيير النهج ممكن بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة عام 2027.
ويشير باحث الدكتوراه إلى أنه: «ينبغي التذكير بأن سياستنا الخارجية تجاه إسرائيل وفلسطين لا تتوافق مع التفضيلات السياسية للشعب الفنلندي».
وهو يذكر في هذا السياق نتائج استطلاع رأي أجرته مؤخرًا شركة أبحاث السوق (Taloustutkimus)، أظهر أن 52 في المائة من الفنلنديين يؤيدون إنهاء تجارة الأسلحة بين فنلندا وإسرائيل إلى أن تنهي الأخيرة احتلالها للأراضي الفلسطينية، في حين لم يعارض هذا الموقف سوى 35 في المائة.