من الدروس الحضورية إلى وسائل التواصل الاجتماعي: كيف حوّلت شابة فنلندية فيديوهاتها على المنصات الرقمية إلى أداة لتعلّم اللغة العربية
تقول هيلما: «المتابعون الذين يعلّقون على فيديوهاتي لطفاء للغاية. كيف يمكن ألا تتفاعل مع أشخاص يعاملونك بلطف — بينما يمكنك أن تردّ عليهم باللطف نفسه؟»
علي بالحاج
سركان ألكان
تم النشر ۱۸.۰۳.۲۰۲٦ at ۱۲:۳۰
بدأت الفيديو كعادتها بعبارة: «السلام عليكم، أنا هيلما من فنلندا»، مرفقة بابتسامة دافئة. غير أن الدفء المنعكس في تلك الابتسامة لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما انتقلت الكاميرا لتُظهرها وهي تتزلج في طقس ثلجي قارس. ومن خلال الفيديو، شاركت متابعيها العرب هوايتها في التزلج داخل حدائق التزلج المجانية في فنلندا، كما شرحت كيفية تكوّن الجليد عبر سكب الماء وتركه ليتجمد بفعل درجات الحرارة المنخفضة — وهي ظاهرة غير مألوفة في مناخات الدول الناطقة بالعربية، أين يتركّز معظم جمهورها.
بدأت هيلما، وهي شابة في العشرينيات من عمرها من جنوب فنلندا، بنشر مقاطع فيديو باللغة العربية في نوفمبر 2025 عبر أربع منصات: إنستجرام، تيك توك، فيسبوك ويوتيوب. وهي حريصة على إبقاء معلوماتها الشخصية على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في حدّها الأدنى، محافظةً على فصلٍ صارم بين حضورها الرقمي وحياتها الخاصة، بهدف ضمان خصوصيتها وسلامتها.
وخلال ثلاثة أشهر فقط، ارتفع عدد متابعيها إلى نحو 40 ألفًا على تيك توك و 22 ألفًا على إنستجرام.
تؤكد هيلما أن هذا النمو السريع تحقق بشكل عضوي، دون الاعتماد على أي إعلانات مدفوعة. إذ توضح أن الهدف الأساسي من إنشاء الحسابات كان «التعلم وتوثيق رحلتها». إلا أن استقطاب هذا العدد الكبير من المتابعين خلال فترة قصيرة شكّل مفاجأة سارة لها.
لا تعرف هيلما على وجه الدقة كيف تم ذلك بهذه السرعة، لكنها تشير إلى أن أول فيديو لها على تيك توك انتشر فجأة بعد فترة من نشره، محققًا نحو 800 ألف مشاهدة، ما ساهم في نمو حسابها. أما على إنستجرام، فإنها تذكر أن المحتوى التفاعلي –كفيديو عن مشروباتها المفضلة دعت فيه المتابعين بدورهم لمشاركة تفضيلاتهم– حقق نجاحًا كبيرًا وأثار تفاعلًا واسعًا.
ويتركّز معظم متابعيها في الدول العربية، ولا سيما في المغرب والجزائر وتونس ومصر، فيما يأتي العرب المقيمون في دول أوروبية في المرتبة التالية. أما التفاعلات التي تتلقاها باللغة الفنلندية أو من متابعين مقيمين في فنلندا فلا تمثل سوى نسبة ضئيلة جدًا من إجمالي التفاعل.
من الدروس الحضوريّة إلى وسائل التواصل الاجتماعي
تكوّن شغف هيلما باللغة العربية خلال زيارتها للمغرب في 2023. إذ خلّفت تلك السفرة فيها اعجابا بالثقافة العربية إلى جانب رغبة حقيقية في العودة مستقبلا للتطوع وتقديم مساعدات إنسانية وتعليمية للفئات المحرومة اقتصاديا التي احتكت بها في البلاد. هذا الهدف يمرّ عبر تعلّم اللغة العربيّة.
وتقول: “كان هدفي منذ البداية ومازال هو تعلم اللغة العربية لتحسين مستواي فيها. فعندما أحسّن لغتي العربية، سأكون أقرب إلى هدفي النهائي وهو مساعدة الناس”.
وقد إختارت هيلما تعلّم العربية الفصحى عوض إحدى اللهجات المحكيّة في البلدان العربيّة كي تتمكن من التواصل مع مختلف الشعوب العربية، لا مع شعب واحد فقط.
التحقت سريعًا لدى عودتها بدورة حضورية لتعلّم اللغة العربية في مركز لتعليم الكبار. واصلت هيلما دراسة أساسيات اللغة العربية الفصحى حضورياً لعامين، قبل أن تقرر في نوفمبر 2025 المضي قدمًا في رحلتها التعليمية من خلال إنتاج ونشر مقاطع فيديو تمارس فيها اللغة عبر حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي.
شعرت هيلما ان ما باتت تحتاجه بعد اتقان الأساسيات هو فرصة ممارسة التحدّث باللغة شفويّا. وأحسّت بأن الفرص لتحقيق ذلك داخل الدرس باتت محدودة مع عدد واسع من الزملاء وضرورة أسبوعيّا حتى يحين دورها. ومن هنا أتت فكرة إنشاء حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي لممارسة ذلك بنفسها أمام جمهور افتراضيّ.
وتوضح قائلة: “مكّنني هذا من تخصيص وقت أكبر للممارسة الكلامية”.
إضافة إلى هذا، تعترف بأن طبيعتها الخجولة جعلتها تفضّل التحدث باللغة في مساحتها الخاصة بدلا من فعل ذلك في الفصول الدراسيّة. أي أن حساباتها تُعد أداة لتعزيز ثقتها في التحدث بلغة تختلف اختلافًا كبيرًا عن لغتها الأم الفنلندية، للمساعدة على الانتقال من مجرد إتقان القواعد إلى تحقيق الطلاقة في اللغة العربيّة.
آليات التعلم
لا تزال مهارات هيلما اللغوية عند مستوى أساسي لا يتيح لها التحدث بالعربية إلا لفترات قصيرة جدا مع الناطقين بها. لذلك، تستعمل تسجيلات الفيديوهات الّتي تقوم لاحقا بمشاركتها على حساباتها كوسيلة لممارسة التحدث ثم مراجعة أدائها لرصد مدى تطوّر مستواها عبر الزمن.

تقوم في البداية بكتابة نصوص الفيديوهات باللغة الإنجليزية ثم تترجمها إلى العربية بإستعمال وسائل الترجمة الآلية. ونظرا لأنها تتعلم بمفردها ودون معلّم يراجع نصوصها، فإنها تعتمد على هذه الوسائل وفهمها المتنامي للغة العربية الفصحى الحديثة لضمان أن تكون نصوصها صحيحة قدر الإمكان.
من خلال هذا المسار تدوّن كل شيء في دفتر ملاحظات خاص، ما يساعدها على فهم بنية الجُمل وقواعد ترتيب الكلمات بشكل أفضل وحفظ المفردات اللّغوية الجديدة.
وتضيف في هذا السياق لشرح مدى التحسن الذي حققته: “أفادني هذا كثيرًا، لأنني كنت أعاني سابقًا من مشكلة نسيان بعض الكلمات لمجرد أنني صادفتها مرة واحدة في درس ما. أما الآن، فقد بدأت أتذكر بشكل أفضل بكثير، لأنني عندما أنتج فيديو، أقوم بكتابة نصّه أولًا، فأفكر فيما أريد التحدث عنه”.
“في الفيديو الأول تحدثت بجمل بسيطة للغاية، كالتي تعلمتها في بداياتي من دروس اللغة، أما في الفيديوهات الأخيرة قد تلاحظون أنني بتّ استخدم كلمات أكثر صعوبة لم أصادفها في السابق”.
التعلم من التفاعلات
ركزت فيديوهات هيلما الأولى على الحديث عن هواياتها والتعريف بنفسها، وأطعمتها ومشروباتها المفضلة. كما نشرت مقاطع قدّمت فيها وجبات قد طبختها مستلهِمةً من المطبخين المغربي والفنلندي وقصائد قد كتبتها بالعربية.
تحرص هيلما كذلك على التفاعل النشط مع التعليقات التي تتلقاها على الفيديوهات. إذ أبدى جمهورها رغبة كبيرة في التعرّف على الثقافة الفنلندية والمدن والأنشطة الشتوية، كالرياضات الثلجية. وهو ما دفعها مؤخرا لصناعة محتويات اكثر للتعريف بفنلندا وثقافتها بالعربيّة.
ومن خلال حواراتها مع متابعيها، أصبحت أكثر وعياً بالتنوع اللغوي والثقافيّ داخل العالم العربي، وأن الناطقين بالعربية ليسوا مجموعة متجانسة، بل طيفاً من الثقافات والتقاليد المتمايزة داخل كل بلد.
أثّر تعلّم اللغة أيضا على تفاصيلها اليومية. فعلى مستوى العادات العربية التي تبنّتها، تجد نفسها اليوم تفكّر أو تردّد عبارة «بسم الله» بصمت وفي داخلها قبل تناول الطعام، بشكل لا إرادي.