الاحتفال بشهر رمضان في فنلندا – أربعة تحديات يواجهها المسلمون 

مشاركة الإفطار مع الأحباء تعزز الروابط وتقوي الشعور بالانتماء للمجتمع في هذا الشهر المبارك.
يبدأ الشهر الفضيل للصيام والصلاة والتأمل والتقرب إلى الله في مساء يوم 28 فبراير. لكن قضاء رمضان في فنلندا ليس بالأمر السهل دائمًا. يشارك مسلمون فنلنديون وخبراء تجاربهم ونصائحهم.

سمر أشرف أبونار

تم النشر ۲۷.۰۲.۲۰۲۵ ٤:٤۳

اخر تحديث ۲۷.۰۲.۲۰۲۵ ۱۰:٤٦

Read the English version of the article<<<

شهر رمضان، وهو الشهر التاسع والأكثر قداسة في التقويم الإسلامي (الهجري)، وهو وقت للصيام والصلاة والتأمل والتقرب إلى الله. خلال هذا الشهر، يمتنع المسلمون من الفجر حتى غروب الشمس عن الطعام والشراب وسائر المفطرات، باستثناء من لديهم أعذار شرعية. 

إلى جانب الصيام، يُعد رمضان فترة للنمو الروحي والانضباط الذاتي وتعميق صلة المرء بالله تعالى. كما أنه وقت الكرم والإحسان والتآزر، حيث تجتمع العائلات والمجتمعات حول موائد الإفطار وفي صلاة الجماعة. 

يحمل الشهر معاني تاريخية وروحية عميقة، أهمها أنه شهد بداية نزول القرآن الكريم. وتُعد ليلة القدر، إحدى الليالي العشر الأخيرة، أعظم من ألف شهر. 

يبدأ رمضان هذا العام في مساء يوم 28 فبراير. وفي فنلندا، يمثل رمضان تحديات فريدة من نوعها لكل من المهاجرين والمسلمين الفنلنديين.  

فساعات الصيام الطويلة، والدعم المجتمعي المحدود، ومحاولة تحقيق التوازن بين الممارسات الدينية والحياة اليومية، تجعل من الشهر الكريم تحديًا صعبًا. 

ورغم هذه التحديات، يجد الكثيرون طرقًا مبتكرة للتكيف مع الأوضاع والحفاظ على العادات الرمضانية. 

الصيام أثناء العمل أو الدراسة 

يأتي رمضان هذا العام في نهاية فبراير، حيث تبلغ الفترة بين الفجر والغروب في هلسنكي نحو 11 ساعة.  لكن عندما يحل رمضان في فصل الصيف، يمكن أن تصل ساعات الصيام إلى قرابة 20 ساعة، مما يجعل الحفاظ على النشاط والطاقة تحديًا، خصوصًا لمن لديهم التزامات دراسية أو مهنية. 

يلجأ بعض المسلمين إلى اتباع فتوى تتيح لهم الإفطار وفقًا لمواقيت الغروب في أقرب دولة ذات أغلبية مسلمة. 

وللتأقلم، يركز الكثيرون على تناول وجبات مغذية والراحة قدر الإمكان. تقول فينلا خبابا، وهي مسلمة فنلندية: 
“أحاول تناول إفطار وسحور صحيين، وأنام خلال النهار إن أمكن.” 

أما ساري مجدجي، وهي أيضًا مسلمة فنلندية، فتضيف: 
“اغتنم أي فرصة للقيلولة، فليالي رمضان مخصصة للصلاة وتلاوة القرآن.” 

تُظهر العديد من أماكن العمل والمدارس تفهمًا للصائمين. تقول مجدجي: 
“لم أواجه صعوبات في العمل، لكن زملائي أحيانًا ينسون أننا في رمضان ويعرضون عليَّ الطعام.” 

لكنها تقر بأن العاملين بنظام الورديات الليلية قد يواجهون صعوبات أكبر: 
“قد يكون الإفطار أثناء العمل تحديًا.” 

أما ماريا خان، وهي باكستانية  مقيمة في فنلندا، فتجد أنه من المرهق تكرار شرح الصيام للآخرين: 
“محاولة تفسير سبب عدم قدرتي على المشاركة في خطط الغداء أو العشاء مرهقة.” 

وتأمل خان أن تتاح للمسلمين خلال رمضان فرصة للعمل وفق جداول أكثر مرونة متى أمكن ذلك، وتقترح تنظيم جلسات توعية لغير المسلمين كخطوة أولى نحو تعزيز فهم هذه الشعيرة. 

يتفق معها رمزي عبد العزيز، وهو مصري يقيم في فنلندا منذ 2016: 
“أحد أكبر التحديات في رمضان هو نشر الوعي في المجتمع الفنلندي. الناس بحاجة إلى فهم الأمور الأساسية، مثل احترام الصائمين والاعتراف بحقهم في الصيام، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال المسلمين في المدارس.” 

صيام الأطفال الصغار في المدارس 

رغم أن الأطفال غير مكلفين بالصيام حتى سن البلوغ، إلا أنه من المعتاد أن يبدأ بعضهم في التدرب على الصيام بشكل رمزي في سن السابعة، مثل الصيام لنصف يوم أو خلال عطلة نهاية الأسبوع. 

لكن الأطفال المسلمين الذين يصومون في المدارس يواجهون تحديات خاصة بسبب قلة الوعي لدى المعلمين، وفقًا لعبد العزيز: 
“بدلًا من سؤالهم: ’هل أجبرك والداك على الصيام؟‘، ينبغي على المدارس إظهار التضامن معهم.” 

ويقترح تعديل جداول حصص التربية البدنية والامتحانات خلال رمضان: 
“في بعض الدول، توفر المدارس ترتيبات خاصة للطلاب الصائمين. يمكن لفنلندا أن تفعل الشيء نفسه.” 

من ناحية أخرى، هناك مدارس تُظهر تفهمًا أكبر. تحكي مها سرور، وهي أم مصرية لطفلين: 
“أتأكد من إبلاغ مدرسة أطفالي عن رمضان مسبقًا، ولحسن الحظ، يتخذون ترتيبات خاصة نظرًا لوجود عدد كبير من الطلاب المسلمين. خلال أوقات وجبات الطعام، ينظمون أنشطة يدوية للصغار بدلًا من الجلوس في قاعة الطعام.” 

خلق أجواء رمضانية 

يفتقد الكثير من المسلمين في فنلندا الأجواء الرمضانية الحيوية الموجودة في في الدول ذات الأغلبية المسلمة. ومع قلة المساحات المخصصة للإفطار الجماعي والصلاة،  تسلط فاطمة ساني، وهي نيجيرية مقيمة في أولو، الضوء على الحاجة إلى أماكن أكبر.  

وتقول: ”من شأن وجود مكان أسع أن يساعدنا“. ”نحن بحاجة إلى مكان للإفطار معًا دون القلق بشأن المساحة“. 

وفي غياب مثل هذه المساحات، تخلق العائلات تقاليدها الخاصة. تقول مجدجي: 
“عندما كان أطفالي صغارًا، كنا نزين المنزل ونتعلم عن رمضان معًا.” 

وتأمل خبابا في بناء تقاليد مماثلة لأطفالها: 
“أريدهم أن يكبروا وهم يشعرون بارتباط قوي برمضان.” 

ويقترح عبد العزيز أن تقوم الأسر بتزيين منازلها لرمضان تمامًا كما في عيد الميلاد: 
“ولمَ لا نزين الشوارع أيضًا؟ هذا يعزز البهجة والتضامن.” 

ويؤكد على أهمية التجمعات المشتركة: 
“في رمضان، نحرص على الصلاة جماعة أكثر، مما يعزز الشعور بالترابط والروحانية.” 

يشارك الأطفال في أنشطة رمضانية مثل الرسم والتلوين وصنع الزينة. يقول عبد العزيز: 
“في منزلنا، يساعدون في إعداد الطعام، مثل السلطات والمشروبات الرمضانية التقليدية مثل الخشاف. هذا يجعلهم يشعرون بأنهم جزء من التجربة.” 

ويضيف: “خلال رمضان، يكتسب المنزل طابعًا مختلفًا، حيث يسوده الهدوء، وتكثر تلاوة القرآن، وتعم أجواء روحانية لا تشبه أي وقت آخر من السنة.” 

إيجاد الدعم المجتمعي والروحي 

الشعور بالانتماء للمجتمع عنصر أساسي في رمضان، لكن العديد من المسلمين في فنلندا يعانون من الشعور بالعزلة. تسهم موائد الإفطار الجماعي في عطلات نهاية الأسبوع بمدينة أولو في جمع الناس معًا. تقول ساني: 
“نتشارك الطعام، ونتلو القرآن، ونساعد الأطفال على استشعار روح رمضان.” 

وتشير خان إلى أن الجالية الباكستانية تنظم تجمعات للإفطار الجماعي: 
“إعلانات الإفطارات الجماعية التي ينظمها المسجد أو دوائر الأصدقاء المقربين تبقينا على تواصل“.  

حتى أن بعض المسلمين يدعون أصدقاءهم غير المسلمين لحضور الإفطار، مما يعزز الفهم المتبادل. يقول عبد العزيز: 
“أصدقاؤنا غير المسلمين يبيتون معنا أحيانًا لينضموا إلينا في السحور.” 

ورغم التحديات، يظل رمضان في فنلندا وقتًا للإيمان والصمود والتآزر.  

من خلال التجمعات الصغيرة، والتقاليد المميزة، والمبادرات المجتمعية، يستمر المسلمون في خلق تجارب ذات معنى تعزز إيمانهم وتوطد علاقاتهم بالآخرين. 

رمضان مبارك وكل عام وأنتم بخير!